أحمد بن محمد الدمشقي ( ابن عرب شاه )

285

عجائب المقدور في نوائب تيمور

وأوباشهم ، وأن يكن كل منهم على ما أزم « 1 » ، فيربض في مكانه ولا ينهزم ، فيحيط بالكل كيده ، ويصير الجموع صيده . ومما يحكى من شدة عزمه ، وثباته على ما يقصده وحزمه ، وحلول نقمته ممن يعارضه ، ويعاكسه فيما يرسم ويناقضه ، أنه لما توجه بالجنود ، إلى بلاد الهنود ، بلغ إلى قلعة شاهقة ، أقراط الدراري بآذان مراميها عالقه ، ورجوم النجوم الخارقة تتعلم الإصابة من رشاقة سهامها الراشقة ، كأن بهرام « 2 » في مهواه أحد سواطيرها ، وكيوان « 3 » في مسراه خادم نواطيرها ، والشمس في استوائها غرة جبينها ، وقطرات السحاب في الانسكاب تترشح من قعر معينها ، وشقة الشفق الحمراء على آذان مراميها ، وأنوف أبدانها سرادق ، وكريات نجوم القبة الخضراء لعيون مكاحلها وأفواه مدافعها طابات وبنادق ، فيها من الهنود طائفة ، ثابتة الجنان غير خائفة ، جهزت أهلها وما تخاف عليه إلى الأماكن المعجزة ، وتثبتت هي في تلك القلعة حافظة لها متحرزه ، مع أنها شرذمة قليلة ، وطائفة ذليلة ، لا خير عندهم ولا مير ، ولا فائدة سوى الضرر والضير ، ولا للقتال عليها سبيل ، ولا حواليها لأحد مبيت ولا مقيل ، بل هي مطلة على المقاتلة ، مستمسكة من المقاتلة ، فأبى أن يجاوزها ، دون أن يناحزها بالحصار ويناجزها ، واللبيب العاقل ، ما يترك لخصمه وراءه معاقل ، فجعلت المقاتلة تناوشها من بعيد ، ونصب كل من أهلها عليهم من أسباب المنايا ما يريد كما يريد ، فكان كل يوم يقتل من عسكره ما لا يحصى ، والقلعة تزداد بذلك إباء واستعصاء ، وهو يأبى الرحيل عنها ، إلا أن يصل إلى غرضه منها .

--> ( 1 ) - أزم : ألزم ، وأخبر . ( 2 ) - كان بهرام كما يقال فيلسوفا هنديا أشار على الإسكندر المقدوني عندما غزا الهند ألا يحاول الدخول إلى قصر أبيض شاهق كان هناك ، لأن من دخل هذا القصر لازمه الندم والغثيان ، ولا يستطيع الخروج منه ( 3 ) - كيوان هو كوكب زحل بالفارسية .